ابن أبي الحديد
111
شرح نهج البلاغة
ان الله سبحانه قد استوجب عليكم الشكر ، واتخذ عليكم الحجج فيما اتاكم من كرامة الدنيا والآخرة من غير مسالة منكم ، لا رغبة منكم فيه إليه ، فخلقكم - تبارك وتعالى - ولم تكونوا شيئا لنفسه وعبادته ، وكان قادرا ان يجعلكم لاهون خلقه عليه فجعلكم عامة خلقه ، ولم يجعلكم لشئ غيره ، وسخر لكم ما في السماوات والأرض ، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وحملكم في البر والبحر ، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون . ثم جعل لكم سمعا وبصرا . ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم ومنها نعم اختص بها أهل دينكم ، ثم صارت تلك النعم خواصها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم ، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة الا لو قسمتم ما وصل منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها ، وفدحهم حقها الا بعون الله مع الايمان بالله ورسوله فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها ، قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم ، إلا أمتين أمة مستعبدة للاسلام وأهله ، يتجرون لكم ، تستصفون ( 1 ) معايشهم وكدائحهم ، ورشح جباههم ، عليهم المؤنة ، ولكم المنفعة ، وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة ، قد ملا الله قلوبهم رعبا ، فليس لهم معقل يلجئون إليه ولا مهرب يتقون به ، قد دهمتهم جنود الله ونزلت بساحتهم ، مع رفاغة ( 2 ) العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسد الثغور بإذن الله ، في العافية الجليلة العامة التي لم تكن الأمة على أحسن منها منذ كان الاسلام ، والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى ان يبلغ شكر الشاكرين ، وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين ، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ، ولا يقدر قدرها ، ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه ! فنسأل الله الذي أبلانا هذا ان يرزقنا العمل بطاعته ، والمسارعة إلى مرضاته . واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم واستتموا نعمة الله عليكم وفى مجالسكم مثنى وفرادى ، فإن الله تعالى قال لموسى :
--> ( 1 ) استصفى الشئ : أخذ منه صفوه . ( 2 ) الرفاغة : سعة العيش وطيبه .